ابن قيم الجوزية

379

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

قالوا : وقد قال اللّه عزّ وجلّ : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ [ يونس : 25 ] وهذا حث على إجابة هذه الدعوة ، والمبادرة إليها ، والمسارعة في الإجابة . والتحقيق أن يقال : الجنة ليست اسما لمجرد الأشجار والفواكه ، والطعام والشراب ، والحور العين ، والأنهار والقصور . وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنة . فإن « الجنة » اسم لدار النعيم المطلق الكامل . ومن أعظم نعيم الجنة : التمتع بالنظر إلى وجه اللّه الكريم ، وسماع كلامه ، وقرة العين بالقرب منه وبرضوانه . فلا نسبة للذة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور إلى هذه اللذة أبدا . فأيسر يسير من رضوانه : أكبر من الجنان وما فيها من ذلك . كما قال تعالى : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التّوبة : 72 ] وأتى به منكّرا في سياق الإثبات . أي أيّ شيء كان من رضاه عن عبده : فهو أكبر من الجنة : قليل منك يقنعني ولكن * قليلك لا يقال له قليل وفي الحديث الصحيح - حديث الرؤية - « فو اللّه ما أعطاهم اللّه شيئا أحبّ إليهم من النظر إلى وجهه » وفي حديث آخر : أنه سبحانه إذا تجلى لهم . ورأوا وجهه عيانا : نسوا ما هم فيه من النعيم ، وذهلوا عنه ، ولم يلتفتوا إليه . ولا ريب أن الأمر هكذا . وهو أجل مما يخطر بالبال ، أو يدور في الخيال . ولا سيما عند فوز المحبين هناك بمعية المحبة . فإن المرء مع من أحب . ولا تخصيص في هذا الحكم . بل هو ثابت شاهدا وغائبا . فأي نعيم ، وأي لذة ، وأي قرة عين ، وأي فوز يداني نعيم تلك المعية ولذتها ، وقرة العين بها ؟ . وهل فوق نعيم قرة العين بمعية المحبوب ، الذي لا شيء أجلّ منه ، ولا أكمل ولا أجمل : قرة عين البتة ؟ . وهذا - واللّه - هو العلم الذي شمر إليه المحبون ، واللواء الذي أمّه العارفون . وهو روح مسمى « الجنة » وحياتها . وبه طابت الجنة . وعليه قامت . فكيف يقال : لا يعبد اللّه طلبا لجنته ، ولا خوفا من ناره ؟ . وكذلك « النار » أعاذنا اللّه منها . فإن لأربابها من عذاب الحجاب عن اللّه وإهانته ، وغضبه وسخطه ، والبعد عنه : أعظم من التهاب النار في أجسامهم وأرواحهم . بل التهاب هذه النار في قلوبهم : هو الذي أوجب التهابها في أبدانهم . ومنها سرت إليها . فمطلوب الأنبياء والمرسلين والصديقين ، والشهداء والصالحين : هو الجنة . ومهربهم : من النار . واللّه المستعان ، وعليه التكلان . ولا حول ولا قوة إلا باللّه . وحسبنا اللّه ونعم الوكيل . ومقصد القوم : أن العبد يعبد ربه بحق العبودية . والعبد إذا طلب من سيده أجرة على خدمته له كان أحمق ، ساقطا من عين سيده ، إن لم يستوجب عقوبته . إذ عبوديته تقتضي خدمته له . وإنما يخدم بالأجرة من لا عبودية للمخدوم عليه . إما أن يكون حرا في نفسه ، أو عبدا لغيره . وأما من الخلق عبيده حقا ، وملكه على الحقيقة ، ليس فيهم حر ولا عبد لغيره : فخدمتهم له بحق العبودية . فاقتضاؤهم للأجرة خروج عن محض العبودية .